Powered By Blogger

الثلاثاء، 8 يناير 2013

التنبؤ بالطقس لعشر سنوات قادمة


المحرر العلمي، العرب اليوم، 8/1/2013 لم نعد نستغرب نجاح الأرصاد الجوية في توقع الطقس لبضعة أيام، أو حتى أسابيع قادمة. لكن توقع الطقس في منطقة معينة بعد بضع سنوات، يبدو مبالغة لا تصدق، فهل يمكن أن يتحقق هذا الحلم؟ قبل 5000 سنة، ألّف الصينيون أول كتبهم عن الطقس. فهذا موضوع مهم منذ القدم، لأن حياة الناس، خاصة المزارعين، تعتمد عليه اعتمادا كبيرا. وتراكمت الخبرات لدى مختلف الشعوب في هذا المجال، لكنها كانت عادة تتعلق بوصف عام للطقس خلال فترات معينة من السنة: مثل تحديدنا لفترة "المربعانية" بناء على تراكم خبرات لآلاف السنين. لم نتقدم في مجال التنبؤات الجوية إلا بعد أن تطور العلم والتكنولوجيا، وبعد أن ابتكرنا أدوات وأجهزة لقياس عناصر الطقس، مثل المحرار (ميزان الحرارة) ومقياس الضغط (البارومتر) اللذين ابتكرا خلال القرن السابع عشر. ومن ثم تطوير العلوم النظرية مثل نظرية الجبهات الهوائية، التي صاغها فلهلم بيركنز عام 1921، وفرضية "تأثير الفراشة" التي اقترحها إدوَرد لورنز عام 1972 لوصف محددات توقعات الطقس. بين توقع الطقس وتوقع المناخ: نخلط أحيانا بين الطقس والمناخ، لكن الفرق بينهما بكل بساطة هو أن المناخ يتعلق بمساحة أكبر ولفترة أطول. وهكذا يمكننا أن نتحدث عن مناخ منطقة البحر المتوسط أو حتى عن الاحترار العالمي الذي يؤثر على "مناخ" كوكب الأرض. والغريب في الأمر أنه يمكننا أن نتنبأ بالمناخ العالمي بعد مئة سنة، باعتبار تأثير غازات الدفيئة، كما يمكننا التنبؤ بالطقس في منطقة معينة لأسابيع قادمة، لكن التنبؤ بالطقس لما بين هاتين الفترتين (100 سنة للمناخ وبضعة أسابيع للطقس)، ونعني بذلك توقع أحوال الطقس بعد سنة أو بضعة سنوات، كان يبدو حتى الآن مستحيلا. تقرير مجموعة الخبراء: ينتظر المعنيون باهتمام صدور التقرير القادم لمجموعة خبراء تطور المناخ (جيك) GIEC في أيلول 2013. سيتضمن التقرير فصلا بعنوان التنبؤ العشري – أي التنبؤ بالمناخ للسنوات العشر القادمة. ويتوقع أن يسدّ هذا التقرير الفجوة الحالية بين التنبؤ بالطقس لمدة أقصاها 3 أشهر، وبين التنبؤ المناخي الطويل الأمد، لخمسين سنة أو لمئة سنة قادمة. قد يحتجّ البعض بأن هذا التوقع المتوسط الأمد حاصل فعلا. فتقارير مجموعة جيك منذ الثمانينيات تتضمن منحنيات بيانية تمثل تطور المناخ العالمي خلال عشر سنوات أو عشرين سنة قادمة. لكن الواقع أن هدف تلك التوقعات كان فقط تقدير تأثير غازات الدفيئة، المتمثل في رفع درجة حرارة الأرض، وليس التنبؤ بتطور المناخ العالمي تنبؤا دقيقا، أو بوصف الطقس في منطقة معينة بعد بضع سنوات. المشكلة أن المناخ يبدو عشوائيا لدرجة كبيرة. ويستحيل أن نتوقع بثقة الاضطرابات التي تحصل في الجو، أو في المحيطات. وعلى أية حال، فإن مؤسسات الأرصاد الجوية في عدة دول قد بدأت بإعداد خرائط تنبؤات جوية لعدة سنوات قادمة. ففي فرنسا مثلا، ومنذ تموز 2012، تنشر على الانترنت خريطة لتطور المناخ خلال 20 و 40 و 60 سنة قادمة، وهي مفصلة لمناطق مساحتها 8 × 8 كم. كما تنشر تنبؤات للأشهر الثلاثة القادمة. تحققت هذه الانجازات بفضل تعاون عدة مؤسسات بحثية مرتبطة بالأرصاد الجوية الفرنسية. وقد نشرت الأرصاد الجوية البريطانية تنبؤاتها للطقس حتى عام 2021. وما علينا سوى أن ننتظر لنرى مدى دقة هذه التنبؤات. Science et Vie Octobre 2012

ما دلالة تاريخ الصلاحية على المعلبات؟

سؤال وجواب: المحرر العلمي، العرب اليوم،8/1/2013. هذا السؤال يهم كلا منا بلا شك، بعد أن أصبحنا نشتري معظم طعامنا مصنّعا ومعلبا. والموضوع يتطلب تحقيقا وبحثا أوسع وأعمق، في سوقنا المحلية خاصة، وهو ما قد نفعله قريبا. خلال الأشهر الماضية، تابعنا باهتمام حملات قامت بها مؤسسة الغذاء والدواء لدينا، فأتلفت أطنانا من الأغذية، وأغلقت مطاعم ومتاجر. لكن وسائل الإعلام لم توضح أبدا ما تقصده بالطعام الفاسد. انتهاء الصلاحية لا يعني فساد الطعام: مؤخرا، فاجأتُ صديقي بزيارة على غير موعد. فبدا مثل من ضُبِط متلبّسا بجريمة. كان بيته يعج بعشرات كراتين المعلبات. واعترف لي مكرها بأنه مكلف بتغيير تواريخ انتهاء الصلاحية على معلبات مستوردة يبيعها المتجر الكبير الذي يعمل فيه. استغربت فعله هذا لأني أعرفه إنسانا شريفا ونزيها، ولا أتوقع منه أن يسلك سلوكا خاطئا مهما كانت الدوافع. لكنه برر سلوكه بالقول أن تجاوز تاريخ الصلاحية، أو تاريخ فترة العرض (علىرفّ المتجر)، لا يعني فساد محتوى العبوة؛ رغم أن هذا يخالف مفهومنا العام. تابعت الموضوع باللجوء إلى غوغل. وأدخلت العنوان : Canned Foods Shelf Life لأجد مئات العناوين. استعرضت بعضها واليك بعض ما وجدت: العنوان الأول في قائمة غوغل هو : 5 دراسات مختلفة عن صلاحية الأطعمة المعلبة والجافة. (ر.و. أتكنز). يقول أتكنز أن الجمعية الوطنية (الأمريكية) لتصنيع الطعام (NFPA) حللت عام 1974 محتويات معلبات عمرها مئة سنة (عثر عليها في الباخرة برتراند التي غرقت في النهر عام 1865). فوجدوها غير ملوثة بالبكتيريا، وما زالت صالحة للأكل. لكن تغير قوامها وطعمها وانخفض محتواها من فيتاميني أ ، ج؛ في حين لم يتاثر محتواها من البروتينات والكلس. تبقى صلاحية المعلبات لسنوات طويلة بعد تاريخ انتهاء الصلاحية المسجل عليها، إذا حفظت في مكان بارد وجاف ومعتم، على رفوف، وليس على الأرضية، وبعيدا عن الجدران. وبشرط أن لا تكون قد تعرضت للانبعاج أو الصدأ قبل تخزينها. ولا ينصح بتجميد المعلبات، فهذا قد يجعلها تصدأ أو تنثقب. وعلى أية حال، إذا لاحظت مؤشرات على فساد الطعام مثل الرائحة المنتنة أو انتفاخ العلبة، تخلص منها فورا. وفيما يتعلق بالأطعمة الجافة، مثل الحبوب (القمح، الرز) فهي تبقى صالحة أكثر من 30 سنة إذا حفظت في أوان محكمة لا تدخلها الحشرات، ويبقى مسحوق الحليب صالحا لمدة 20 سنة. أما السكر والملح وصودا الخبز، فإنها لا تتلف إذا حفظت بمنأى عن الرطوبة. مصالح الشركات الصانعة: قد تعتقد أن للشركات الصانعة مصلحة في إطالة مدة الصلاحية. والواقع هو العكس. فهي قد تختصر المدة المعتادة إلى النصف حتى يتخلص الناس من المعلبات المنتهية الصلاحية ويشتروا معلبات جديدة. وهذا بالطبع قد لا يتفق مع مصلحة التاجر الذي تتراكم عنده معلبات منتهية الصلاحية، فيتلفها أو يزوّر التاريخ ويغيره؛ وقد يتفق هذا مع مصلحته، حتى يبيع كميات أكثر بعد أن يتلف الناس المعلبات القديمة لديهم. لاحظ أن المستهلك قد يقع أحيانا في مصيدة العروض والتنزيلات: تخفيض السعر إلى النصف مثلا، بشرط شراء 6 علب معا، ويكون تاريخ انتهاء صلاحيتها بعد أيام معدودة. وقد لا يتعدى استهلاكك لهذه المادة علبة في الشهر، فينتهي بك الأمر إلى التخلص من معظمها. لاحظ أيضا أن تاريخ الصلاحية على العبوات المحلية قد لا يعني شيئا؛ فبعض مصانعنا الغذائية لا تفعل أكثر من توزيع الأغذية المستوردة في عبوات أصغر. وتاريخ الإنتاج الذي تسجله على العبوات ليس سوى تاريخ التعبئة؛ في حين أن البراميل المستوردة الأصلية قد تكون تجاوزت تاريخ الصلاحية. (ومع هذا لا أحد يموت إذا تناول هذه المواد). ويجب التمييز بين مصطلحين: تاريخ الصلاحية Expiry date ومصطلح "ينصح بتناولها قبل" Best before. والواقع أنه مع انتشار الرفاهية والثراء الفاحش، أو حتى رغبة الطبقة المتوسطة في اعتناق أساليب الرفاهية، ازاداد توجه الشركات الصانعة نحو اختصار فترة الصلاحية للنصف أو أقل. (أذكر مثلا اثناء دراستي في فرنسا في أواخر السبعينيات عرض اصناف من البيض بسعر مضاعف، وبمدة صلاحية 3 أيام فقط، لمحبي المظاهر و"البهورة"؛ كما أذكر أن صلاحية قوالب الكيك كانت 3 أيام (داخل الثلاجة في المتجر)؛ وفي اليوم الثالث كان السعر يخفض للنصف، فيشتريها الطلاب الأجانب والفقراء (وهي تبقى جيدة بالتأكيد أسبوعا أو أكثر).

الأحد، 23 ديسمبر 2012

مشروعات صغيرة برسم التنفيذ

حسام مدانات، الناشئة، العرب اليوم، 23/12/2012 هل يستطيع الأطفال أن يبادروا لتنفيذ مشروعات صغيرة مفيدة في حاراتهم وأحيائهم، مشروعات لا يهتم بها الكبار، لأنهم اعتادوا أن يعتمدوا على الحكومة والبلدية في أي شيء، حتى في إزالة حجر من الشارع. أطفالنا لم يتعلموا التواكل كالكبار. وما زال تفكيرهم حرا. والأمل فيهم كبير، خاصة إذا تعاونوا معا وشكلوا لجانا للخدمة العامة في حيّهم. - مكافحة الخنازير البشرية: نتهم الخنزير بأنه مغرم بالأوساخ، واصبح لدينا أشخاص يشبهونه: يرمون نفاياتهم في كل مكان. فلماذا لا ينتسب أطفال كل حارة للشرطة البيئية، ويبلغونها عن كل مخالف؟ وبالطبع فالأطفال أنفسهم سيلتزمون تلقائيا بالنظافة العامة. - استغلال الأراضي الخالية: تعاني مدننا كافة من أزمات سير خانقة؛ ويزيد الأزمة كثرة السيارات المصطفة في الشوارع . وما زال لدينا قطع أراضي عديدة خالية داخل المدن؛ لكن اصحاب بعضها يسورونها ويمنعون استغلالها، فتتحول إلى مكبات نفايات ومكرهة صحية. هذه القطع يجب أن تستغل ما دامت خالية، واصحابها لن يبخلوا بها على الأطفال. وإذا لم تصبح مواقف مؤقتة للسيارات، فلتكن ساحات لعب لأطفال الحي. وماذا لو مُهدت وتعلم أطفال الحي زراعة الخضار فيها؟ - مكتبة في كل قرية. في كل حي: نحن شعب لا يقرأ. التصقت بنا هذه التهمة عن غير حق. ماذا لو بادر أطفال الحي لجمع كتب ومجلات من السكان، لتأسيس مكتبة عامة شعبية ومتاحة كتبها للجميع. يكفي أن توضع الكتب في أي كراج أو مخزن مهجور، وتشرف عليها لجنة أطفال الحي. وأن ترسل نسخ إلى مختلف قرانا لتاسيس مكتبات مشابهة. ولا شك أن لدى كل منا كتبا عديدة لم يعد بحاجة إليها. - قضينا على الحيوانات في بلدنا؛ لكن بقي القليل من العصافير والحمام. بإمكان الأطفال أن يجمعوا بقايا الطعام من بيوتهم، وأكياس الخبز الملقاة بجانب الحاويات، وأن يضعوها على سطوح منازلهم طعاما للطيور. - نعاني جميعنا من نقص المياه، التي تصل بيوتنا يوما واحدا في الأسبوع. ومع هذا، نلاحظ هدرا هائلا للماء في الشوارع بواسطة حراس العمارات الوافدين، دون أي ضبط أو رد فعل من البالغين. فهل يتمكن أطفالنا من منع هذه الممارسة؟

لماذا لم تحلّ السماعة الطبية الالكترونية محل التقليدية؟


- لماذا لم تحلّ السماعة الطبية الالكترونية محل التقليدية؟ إنه أمر مثير للدهشة حقا أن السماعة الطبية التي اخترعت عام 1851 لم تشهد تطويرا كبيرا حتى الآن، ولم تحل محلها السماعة الإلكترونية، رغم أن الأجهزة الإلكترونية والرقمية قد غزت كافة المجالات. تتكون السماعة الطبية الالكترونية من مجسّ يلتقط الأصوات، ومضخم رقمي يكبرها، وسماعتان يضعهما الطبيب على أذنيه. تسمح المضخمات بالتقاط الأصوات الضعيفة التي قد لا تكشفها السماعة التقليدية، كما أنها تساعد على إلغاء أي تشويش دخيل غير مرغوب، وهي تسجل النبض على الحاسوب من أجل تحليله. لكن سلبياتها تتضمن حاجتها للكهرباء والصيانة. وهي أمور ليست ضرورية للسماعة التقليدية التي ينتقل الصوت خلالها بطريقة آلية بسيطة عبر الأسلاك.

- لماذا المقبلات مالحة والعقبة حلوى؟

سؤال وجواب (20)العرب اليوم، 4/12/2012 مع انتشار أطباق المطبخ الفرنسي وغيرها في العالم، أصبح من المألوف أن تقدم مقبلات مالحة أو مخللة في بداية الوجبة الرئيسية، والحلوى (والأجبان في فرنسا) في ختام الوجبة. فما تفسير ذلك؟ يسود الاعتقاد بأن الموالح في بداية الوجبة، أو خلالها، تفتح الشهية للأكل. كما أن المواد السكرية في ختامها تمثل طاقة جاهزة سرعان ما تصل الدم؛ وتكون المعدة بحاجة لكمية من الطاقة للمساعدة في هضم مكونات الوجبة الرئيسية، خاصة إذا كانت غنية بالدهون والبروتينات. لكن هذا التقليد ليس متبعا لدى كافة الشعوب، فبعضها قد يقدم الحلوى في بداية الوجبة أو أثناءها. ولا شيء يمنع ذلك. وفي فرنسا نفسها، وحتى القرن الثامن عشر، لم تكن الأطباق تقدم على التوالي، بل كانت توضع جميعها على المائدة معا، وتؤكل في الوقت نفسه. ولم يظهر أسلوب الأطباق المتتالية: مقبلات، فطبق رئيسي، فحلوى، في فرنسا، إلا عام 1912، وكان يعرف باسم الأسلوب الروسي.

الاثنين، 17 ديسمبر 2012

البيومتريا: القياسات الحيوية


بمناسبة مرور مئة عام على البطاقة التشخيصية م. حسام جميل، العرب اليوم، 18/12/2012 في عام 1912 أصدرت فرنسا بطاقة تشخيصية Carnet anthropometrique بهدف مراقبة الأشخاص الرّحّل، وبالذات الغجر، أو النور، الذين كانوا يتنقلون باستمرار بين القرى وحتى عبر الحدود. كانت هذه البطاقة أكثر من مجرد بطاقة شخصية كالتي نعرفها اليوم. كانت تحوي صورتين لحاملها: أمامية وجانبية، وبصمات أصابعه، الطول، محيط الخصر، طول الرأس وعرضه، طول كل من الأذن اليمنى، والإصبع الوسطى والخنصر اليسرى، والذراع اليسرى، لون العينين، وأية علامات فارقة. لم يكن إصدار هذه البطاقة للغجر واجبار كل من تجاوز سن الثالثة عشرة منهم على حملها ليتفق مع مبادئ الجمهورية الفرنسية المستمدة من الثورة الفرنسية: حرية، إخاء، مساواة؛ فهي تشكل تمييزا بين المواطنين لأنها لم تطلب إلا من الغجر. كان جورج كليمنصو رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية عام 1908 عندما سعى لاعتماد هذه البطاقة. وتطلب الأمر 4 سنوات من النقاش والجدل، حتى أقرت عام 1912. وابتداء من عام 1920، أصبح الحاكم الإداري في كل محافظة يسجل معلومات عن كل غجري يمر في محافظته: اسمه ورقم بطاقته، من أين أتى وإلى اين سيذهب، وزمن مروره باليوم والساعة. ولم تصدر بطاقة شخصية وطنية للمواطنين الفرنسيين، من غير الغجر، إلا عام 1921، ولمن يرغب منهم في ذلك فقط. البيومتريا: الجسم يكشف عن الشخصية أطلق على هذا الأسلوب في التشخيص: البيومتريا، أو القياسات الحيوية. لكن البيومتريا الحديثة ترتكز على مؤشرات وقياسات أعمق من أبعاد أعضاء الجسم وصفاتها الظاهرية. وقد تزايد الاهتمام العالمي بتحديد الشخصية بعد تفجيرات 11/9 في نيويورك – (ولدينا في الأردن بعد تفجيرات الفنادق في 9/11) وقد أعلنت أمريكا في حينه حربا عالمية على الإرهاب، واستثمرت مبالغ كبيرة في تطوير تقنيات تحديد الشخصية. وكان من نتائج ذلك فرض استخدام وسائل البيومتريا في وثائق السفر، وايضا لكل شخص يعمل في أماكن حساسة. ورافق ذلك ازدهار سوق الحراسة والأمن ووسائل التشخيص، التي ارتفعت قيمتها من بضعة عشرات من ملايين الدولارات عام 1998 إلى 3,4 مليار دولار عام 2009، ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2013. (لاحظ نشر آلاف الأجهزة الأمنية على مداخل الفنادق والمؤسسات لدينا بعد تفجيرات عمان، ويشرف عليها موظفو أمن على مدار الساعة). ولنستعرض معا فيما يأتي الوسائل المستخدمة حاليا لتحديد الشخصية، وهي تحقق تطويرا متواصلا وانتشارا متزايدا. بصمات الأصابع: اعتمِدت هذه التقنية لتحديد الشخصية منذ أواخر القرن التاسع عشر. صنفت أنماط البصمة إلى 13 صنفا، وتحتوي كل بصمة على نحو 100 تفصيل، ما يعني وجود عدد يكاد يكون لا نهائيا من الأشكال المتمايزة. ويلاحظ أنه حتى التوأمان المتماثلان يختلفان في البصمة. وعند أخذ البصمة التي يتركها الأشخاص على الأجسام، يمكن تحديد المتهم بسرقة أو جريمة، إلا إذا كان يرتدي قفازات حين ارتكابه لها. شكل اليد: لا يتشابه شخصان في العالم بشكل اليد. ويتضمن هذا الشكل نحو 90 عنصرا، ويمكن التقاط صورة مجسمة لها. اعتمدت هذه التقنية منذ السبعينيات، وينتشر استخدامها في الولايات المتحدة: في المطارات والمؤسسات العامة. كما يمكن اعتماد شكل الأوعية الدموية داخل الأصابع أو الكف بتقنيات معقدة. البصمة الجينية: تعتمد على تحليل دنا (الحمض النووي)، وهو فريد ومتميز لكلّ منا. هذه الطريقة دقيقة وموثوقة تماما؛ طورت في أواخر الثمانينيات، وتعتمدها الشرطة لكشف وجود المتهم في مكان الجريمة مثلا، ويكفي لذلك العثور على شعر أو نقطة دم منه. القزحية والشبكية: القزحية هي الدائرة الملونة التي تحيط ببؤبؤ العين، وتتكون من شبكة من الأنابيب الدقيقة. وهي تختلف من شخص لآخر، ولا يتغير شكلها إلا قليلا طوال عمر الشخص. تتميز بإمكانية تصويرها عن بعد عدة أمتار. وقد اعتمدت كوسيلة لتحديد الشخصية منذ بداية التسعينيات. الوجه: استفادت هذه التقنية من القدرات الهائلة للحاسوب، منذ الثمانينيات. وهي تتضمن نحو 60 عنصرا تختلف بين شخص وآخر. ويمكن تشكيل صورة مجسمة، أي ثلاثية الأبعاد باستخدام الأشعة تحت الحمراء. من سلبيات هذه الطريقة أن الوجه يمكن تغيير شكله بارتداء نظارات أو بواسطة اللحية أو حتى بعملية "تجميلية". كما أنها لا تساعد كثيرا في التمييز بين التوائم المتماثلة. الصوت: لكل شخص صوته المميز، ويمكن تسجيل صوت الشخص وتحليله رقميا، أي حاسوبيا، لتحديد بصمته الفريدة. يتأثر الصوت بالتعب أو الإصابة بالرشح، لكنه يبقى الطريقة الوحيدة لتحديد الشخصية بواسطة الهاتف. نبض القلب: (أنظر صفحة علوم وتكنولوجيا بتاريخ 20/11/2012). يجري تطوير هذه التقنية حاليا، اعتمادا على تحليل المخطط الكهربائي للقلب؛ وهو متميز وفريد لكل شخص. السلوك: تعتمد هذه التقنية على خواص غير جسدية أو صوتية للشخص، مثل اسلوبه في النقر على لوحة مفاتيح الحاسوب. بدأ تطويرها في الثمانينيات، وأطلق عليها اسم bureaucratic graphology، ويمكن تمييز الشخص عن بعد بواسطة خادوم (سيرفر) يتصل به حاسوب الشخص عبر الانترنت. Science et Vie, Juillet 2012

الوقواق: ملك الخداع و"السلبَطة"


يخدع الطيور الأخرى لتحضن بيضه وترعى فراخه. م. سائد مدانات، العرب اليوم، 18/12/2012 saed_madanat@hotmail.com غريزة الأمومة، والأبوة أيضا، تكاد تكون ظاهرة متأصلة في كافة الحيوانات. وإذا فقدت أو ضعفت في نوع حيواني معين فإنه سينقرض بلا شك. إنها غريزة ضرورية لبقاء النوع، كما أن غريزة تناول الطعام لازمة لبقاء الفرد. لكن يبدو أن بعض الطيور مثل البط الأسود في أمريكا الجنوبية، والهويد الإفريقي قد تخلّصت من هذه الغريزة، وعرفت كيف تجعل غيرها يحضن بيضها ويرعى صغارها. ويبقى بطل هذه الأساليب المخادعة بلا منازع هو طائر الوقواق. تطفل بالفطرة: اسم الوقواق بالانجليزية Cuckoo وكل من الاسم العربي والانجليزي يذكرنا بصوت هذا الطائر: واق واق، الذي يطلقه برتابة، ويُسمع من بعيد. وإذا عدت للقاموس، ستجد أن اسمه بالانجليزية يعني أيضا: أبله، أحمق (قاموس المورد). وهذا غريب، وغير منصف لهذا الطائر، فالوقواق ماكر مخادع. وهو طائر مهاجر، يقطع القارات جيئة وذهابا حسب دورة الفصول. تمارس أنثى الوقواق طريقة بسيطة وذكية في التطفل، تبدأ باستكشاف المنطقة لتختار عشا تضع فيه بيضها. ثم تربض غير بعيد عن العش المختار، وتنتظر حتى تشاهد أنثى الطائر قد بدأت بوضع البيض. وما أن يخلو العش، حتى تندفع أنثى الوقواق نحوه، وتضع بيضتها فيه بسرعة فائقة، خلال 5 ثوان فقط. (وهذا أمر معجز حقا: أن تكون قادرة على التحكم بلحظة الإباضة عندما تحين اللحظة المناسبة). ثم تلتقط بيضة الطائر الآخر بمنقارها وتأخذها بعيدا لتتخلص منها. خلال الأيام التالية، تتابع الأنثى الحاضنة وضع باقي بيضها، جاهلة ما تم أثناء غيابها، وغير مدركة وجود بيضة غريبة في عشها. لا تعود أنثى الوقواق مطلقا للعش الذي وضعت فيه بيضتها، إنها تبدأ فورا في البحث عن عش آخر لتضع فيه بيضتها التالية. وقد تضع في الفصل الواحد اثنتي عشرة بيضة، كلا منها في عش منفصل جديد. في هذه الأثناء، ترقد الأنثى الأخرى على بيضها، ومن ضمنه بيضة الوقواق، التي تفقس عادة قبل غيرها. وهنا يحصل تصرف قد يكون مستغربا من فرخ طائر، لم يكد يخرج من البيضة. ولكن كما يقال " إن فرخ البط عوام " أو " من شابه أباه أو أمه فما ظلم" فبمجرد أن يفقس فرخ الوقواق، حتى يكمل العدوان الذي بدأته أمه، ويأخذ بدفع باقي البيض خارج العش، رغم أنه يكون عاريا من الريش ولا يرى. وبمجرد أن يصبح البيض خارج العش، فإن الأم الحقيقية لهذا البيض تهمل بيضها تماما، وتبذل كل جهدها لإطعام ما تعتقد أنه صغيرها، إلى أن يبلغ مرحلة من النضج والقوة تمكنه من مغادرة العش والاعتماد على نفسه. عادة ما يخرج فرخ الوقواق من البيضة قبل فراخ الأنواع الأخرى التي وضع معها، وهذا يمكنه من التخلص بسهولة من البيض المنافس. وإذا فقست بيضات أخريات قبله، فإنه قادر على طرد الفراخ الأخرى من العش واحتكاره لنفسه. وحتى لو بقيت معه فراخ أخرى، فإنه يكون أكبر منها حجما، ويحصل على جلّ اهتمام الأم الحاضنة؛ فالطيور تميل عادة للاعتناء بالفرخ الأكبر. وهذا مثال على حكمة الطبيعة وتدبيرها، فهي تعمل على ضمان البقاء للأقوى والأقدر على الحياة، خاصة عند نقص الطعام، حيث يخصص كله أو معظمه للأفراد الأصح والأقوى. ينمو صغير الوقواق ليصبح أكبر حجما من أنثى الطائر المعيل، التي تعتقد أنها أمه، وتضطر لبذل جهود مضاعفة لاطعام هذا الفم الجائع دائما. إن عدم احتكاك صغير الوقواق بوالديه منذ رؤيته النور، قد يفسر بساطة غنائه، إذ لم تتح له الفرصة ليتعلم من والديه أغاني أجمل أو أكثر تعقيدا من ذلك الصوت الرتيب: كوكو، كوكو. إنه دعاء بسيط بما فيه الكفاية ليردده اعتمادا على غريزته وحدها. وينقله بلا تغيير من جيل لجيل عبر العصور.