Powered By Blogger
‏إظهار الرسائل ذات التسميات sociology modern life بيئة مجتمع علم اجتماع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات sociology modern life بيئة مجتمع علم اجتماع. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 15 فبراير 2012

هل نحن حقا بحاجة إلى حراس للعمارات ؟

حسام جميل مدانات

يعمل متولي حارسا لعمارة تحوي 4 شقق طابقيه نصفها غير مشغولة لوجود أصحابها في دول الخليج. وأراقبه أحيانا من شرفة شقتي في العمارة المقابلة وهو يذرع الرصيف أمام العمارة جيئة وذهابا وعليه علامات الملل، ولقتل هذا الملل فهو كثيرا ما يلجأ لممارسة هوايته: ري 4 أحواض مزروعة بالزهور أو الشجيرات، لا يتجاوز مجموع مساحاتها 10 أمتار مربعة، لكنه يمضي 4 ساعات في ريها بالبربيش. ثم يفتح الماء ساعة أو ساعتين أخريين لينظف الساحة المبلطة فيسيل الماء ليشكل بركا موحلة في الشارع أمام العمارة. وكلما مرت سيارة مسرعة – وما أكثر السيارات العابرة وما أسرعها – فإنها تنثر " تطرطش " الوحل في كل مكان.

متولي مجرد نموذج من عشرات آلاف حراس العمارات في العمارات السكنية والتجارية والفلل والقصور، وحتى في البيوت والفلل الخالية المهجورة، والذين يمضون معظم وقتهم في التسكع، نظرا لعدم وجود حاجة حقيقية لهم.

فلماذا انتشر استخدام حراس العمارات لدينا وأصبح وجود الحارس هو القاعدة وليس الاستثناء؟
يقول سالم، كنت أقيم في شقة ضمن عمارة في إسكان أبو نصير. وتلك العمارات ليس فيها نظام الحراس أو البوابين. وهي لم تصمم لتحتوي على غرفة للحارس ولم أشعر أبدا بحاجة لحارس، وكنت أعتقد أن هذا هو الوضع الطبيعي حتى رحلت واشتريت شقة جديدة في أحد أحياء عمان الغربية. وكان بها بالطبع غرفة للحارس وهو نفسه الذي رافق بناء العمارة منذ البداية، مما جعله يشعر ويتصرف كأنه يملك العمارة. فهو الذي كان يمثل الشركة الإسكانية التي أنشأت العمارة. وهو الذي كان يقابل الراغبين بالشراء ويطلعهم على الشقق ويفاوضهم ويقنعهم بالشراء أو "يطفشهم" إذا لم يعجبه شكلهم.
ورغم ذلك، فقد منحني وجود حارس في العمارة شعورا متميزا لا يعادله سوى شعوري عندما أحضرت خادمة وافدة. أصبح بإمكاني أن أطلب منه أن يحمل المشتريات التي أحضرتها في السيارة، أو أن أدق عليه الجرس وأطلب منه إحضار ربطة خبز من البقالة القريبة رغم أني قد حضرت لتوي من السوق. وباختصار، فان وجود الحارس أرضى غروري وجعلني أترفع عن مختلف المهام المتعلقة بالشقة. فالحارس هو الذي يتصل مع محطة المحروقات لملء خزان التدفئة بالسولار، ويراقب وضع الكمية المطلوبة والمسجلة في الفاتورة. وإذا تعطلت التدفئة فانه هو الذي يتصل بشركة صيانة ويتابع عملهم في إصلاح الحارقة ويجعلني أحاسبهم على أية قطع غيار "توجب" تبديلها. وهو يتابع تشغيل المضخة وملء الخزانات بالماء خلال الساعات القليلة التي يصل فيها الماء أسبوعيا، وعندما يفرغ الخزان خلال الأسبوع يتصل بشركة مياه ليحضر لي بضعة أمتار أدفع ثمنها غاليا.

ثم بدأت المفاجآت والخفايا بالتكشف:
أولها كان وقود التدفئة . فرغم أني ملأت الخزان بمترين من السولار في بداية تموز، فإن الوقود نفذ وفرغ الخزان بعد شهرين – رغم قلة الاستهلاك صيفا. واكتشفت السر عند التعبئة الثانية حين أحضر لي فاتورة بمترين بينما وضع مترا مكعبا واحدا من السولار. ثم وصلتني فاتورة الماء ببضع مئات من الدنانير وبعد الاعتراض وتغيير العداد أتت الفاتورة التالية بمبلغ أكبر هذا إضافة لثمن تنكات الماء الإضافية من وقت لآخر. لأكتشف السر فيما بعد، إن الحارس يستمد ماء غرفته وحمامه من خزاني ... ويفترض أن لا مشكلة في هذا الوضع لولا أن لديه تسرب دائم في الحمام . وهو يتجاهل الأمر. وبالطبع فانه كان يتكسب من تنكات الماء الإضافية، إذ أن له عمولة معلومة عن كل طلبية.
ويقول السيد سالم: أخيرا اقتنع سكان العمارة بضرورة التخلص من الحارس والعيش بدون حارس في العمارة، خاصة بعد حوادث وحالات مزعجة تضمنت علاقات مشبوهة بين الحارس والخادمات الوافدات. وفجأة توقفت سرقة اسطوانات الغاز الموضوعة في خزائن حديدية خارجية ولم تعد العمارة مسرحا لعشرات أصدقاء وأقرباء الحارس يدخلون ويخرجون في كل لحظة. وانخفضت كلفة التدفئة والماء والكهرباء والغاز، ولم نعد بحاجة لطلب صهاريج ماء الشرب خلال الأسبوع .
يوجد في الأردن بضعة عشرات من آلاف الحراس (الوافدين غالبا) في عمارات الشقق والعمارات التجارية والفلل والمزارع والبيوت الثانوية. وأعتقد أنه يصعب الحصول على رقم دقيق لعددهم. ويتركز عملهم الرئيسي في غسل السيارات أو التظاهر بغسلها يوميا، إذ يلجأ البعض إلى رفع المساحات ورش بعض الماء على السيارة أو بجوارها للإيهام بتنظيفها.
يتراوح إجمالي راتب الحارس في العمارة بين 150 – 300 دينار لا ينفق منها شيئا في العادة. فاقامته متوفرة مجانا ووجبات طعامه يقدمها السكان غالبا. ونورد فيما يلي عددا من المظاهر العامة التي تتصف بها ظاهرة حراس العمارات لدينا.
 غالبا ما يواكب الحارس نفسه العمارة منذ بدء إنشائها. فهو يعرف جيدا خفاياها وتمديداتها وعيوبها و"أسرار" تشغيل (أو تعطيل) حارقات التدفئة ومضخات الماء والمصعد بحيث يشعر الجميع أنه لا غنى عنه وأن الحياة ستتوقف إذا غادر.
 يمارس الحارس عادة أسلوبا غريبا – ولكنه هو الأسلوب الشائع – في التعامل مع السكان فهو يميّز أو يختار من البداية ساكنا يعتبره هو الأقوى ويكرس خدماته لهذا الشخص، حتى لو لم يحصل منه على أجر إضافي.
 يكتفي معظم الحراس بالعمل بضع سنوات ثم العودة إلى قريته أو مدينته ليشتري أرضا أو ليؤسس ورشة أو مصنعا. وهو عادة ما يحضر كبديل له شقيقه أو ابن عمه، على الأقل حسب ما يدعي، وقد يبيع الوظيفة لآخر مقابل مبلغ معين.
 تستخدم عائلات كثيرة حاليا خادمات وافدات يقمن بكافة الأشغال الداخلية في المنزل. ويمكننا القول أنه حتى سقي الحديقة أو تنظيف السيارة أو ساحات الفيلا أو درج العمارة يمكن أن تتكفل به الخادمة ( طبعا ليس ربة البيت !!)
 كما أن معظم ربات البيوت يسلمن شؤون المنزل والطبخ وحتى تربية الأطفال للخادمة أو الخادمات، فان معظم أمور العمارة يتوكل بها الحارس ويتصرف بها بكل حرية ، لكن هذه الحرية لها محاذيرها وثمنها الغالي على السكان أحيانا. ولو أتحت المجال للتعليقات وسماع قصص الحراس لفوجئت بهول ما يجري. ولسان حال الكثيرين يقول بهذا الشأن:
واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تضوي به الأجسام.
 وعلى أية حال، فإياك أن تترك الحارس يتولى تعبئة خزان التدفئة بالسولار، أو أن يعبئ لك الماء في الخزانات أو البئر، أو يشتري لك اسطوانة الغاز، أو يشتري لك أية أغراض من البقالة، لأن مجال التلاعب في كل من هذه الأشياء وارد ( ما الداعي لوجود الحارس إذن ؟)
 بشكل عام توجد شبكات منظمة تضم الحراس وغيرهم يتبادلون فيها السلع والمعلومات وأسرار العمارات. وقد ساهم انتشار الهاتف الخلوي في تسهيل ذلك، وتجد أحيانا غرفة الحارس وقد أصبحت مركز تجمع وسكن لعدد من أصحاب الحارس وأقاربه.
 وتبقى ظاهرة إهدار الحراس للماء مشكلة مستعصية على الحل. ومن الأساليب الطريفة التي يمارسها حارس العمارة لدينا أنه أزال عوامات الماء من الخزانات بحجة مفادها أن الخزان يمتلئ بشكل أسرع هكذا (قد يكون هذا صحيحا لو أن إزالة العوامة اقتصرت على خزان واحد أو اثنين، والتي ستستفيد على حساب الخزانات الأخرى. لكن إزالة جميع العوامات- والتصرف بها!- إجراء بلا جدوى، بل أنه يتسبب في ضياع وتسرب عشرات الأمتار المكعبة أسبوعيا نتيجة إزالة العوامات. ,وإذا نبهت الحارس للأمر كان رده: "وأنا حشوف إيه ولا إيه".
 لا شك أن الحارس في وضع نفسي وعاطفي صعب ولا يحسد عليه، فهو شاب أعزب، أو متزوج ترك عائلته في بلده منذ أشهر أو سنوات، ويمضي نهاره غالبا بلا عمل حقيقي يشغله، ومن الطبيعي والمقبول أن يدخل كافة شقق العمارة في أية لحظة ليحضر غرضا من البقالة المجاورة أو ليصلح عطلا في تمديدات أو جهاز. لكن هذا الوضع له محاذيره بالتأكيد.
 تقدر تحويلات الحراس الوافدين إلى الخارج بنحو 80 مليون دينار سنويا دون حاجة حقيقية لهم ودون أن يقدموا خدمة حقيقية! ( باعتبار واحدهم يحول في المتوسط 160 دينارا شهريا، وأن عددهم يبلغ أربعين ألفا.

ولا شك أخيرا إننا لا يمكن أن نشكك بأمانة ونزاهة جميع الحراس، فبعضهم أمين ومؤتمن بالتأكيد. لكن الوضع برمته يبدو شاذا وغير مقبول، رغم أنه أصبح هو المعيار وهو الوضع العادي لدينا، فهو أحد مستلزمات الشعور بالتفوق (أو لعله تعويض الشعور بالنقص) وحفظ المظاهر الذي ساد وانتشر بيننا، كما أنه مؤشر على شيوع ظاهرة التواكل والاعتماد على الغير لإنجاز حتى أبسط الأعمال التي تخصنا.

مئة فكرة لتغيير حياتك

حسام جميل مدانات

هذا هو عنوان موضوع نشر في مجلة "هذا يهمني" Ca m’ interesse الفرنسية في عددها لشهر ايلول 2009. لن نستعرض هنا هذه الأفكار المئة فالكثير منها قد يناسب المواطن الفرنسي أكثر مما يناسبنا . لكننا سنحاول تلخيص المقال بالشكل الذي يزودنا بأكبر فائدة ممكنة منه.

تتوزع الأفكار المئة التي أوردتها المجلة على سبعة مجالات:
- 21 فكرة لتغيير المهنة
- 22 فكرة للعيش في الريف
- 9 أفكار للعيش في الخارج
- 13 فكرة للحياة البيئية
- 20 فكرة للعمل الاجتماعي
- 9 أفكار للدراسة من جديد
- 6 أفكار للعيش بأسلوب مختلف

لماذا تغير حياتك ؟ ونعني بذلك اسلوب معيشتك أو مهنتك أو مكان سكنك، أو حتى الأشخاص الذين تعيش معهم أو تتعامل معهم ؟
ماذا تفعل اذا أصبحت تسيطر على تفكيرك رغبة ملحة تلاحقك ليل نهار بتقديم استقالتك من عملك أو طلب التقاعد اذا كنت قد بلغته. أو حلم تراه في ليلك ونهارك حلم يتمثل بترك المدينة المكتظة بالكتل البشرية والهواء الملوث والضجيج لتستقر في الريف، تصحو على صوت العصافير وتتنفس هواء نقيا وتأكل طعاما طبيعيا: خضروات زرعتها بنفسك أو بيض دجاج تربيه لديك ويأكل علفا نباتيا أو تشرب حليبا طازجا حقا.

انك تعيش حياة واحدة – لكن حياة بعضنا قد لا تتعدى كونها يوما واحدا منسوخا ومكررا. العمل نفسه والروتين نفسه والهموم نفسها..

ربما كان مثل هذا الوضع مقبولا قبل مئة سنة أو ، قبل امتلاكنا للتلفاز الذي يكشف لنا عن عالم بالغ التنوع والروعة. وامكانيات للعيش السعيد والعمل الممتع تنتظر منا المبادرة والمغامرة لتجربتها وبلوغها.

معظمنا غير راض عن عمله

بشكل عام، يندر أن تجد في مجتمعنا شخصا راضيا بوضعه في العمل، فهو قد يحب عمله لكنه لا يتلقى اجرا كافيا أو أنه يضيق ذرعا ببيئة العمل أو بمديره أو بالروتين وضغط المراجعين. وهو قد يكره وظيفته ويحلم بممارسة مهنة أخرى لأنها تدر دخلا أكبر أو لأنها تمنحه حرية أكبر وامكانية أكبر في اظهار قدراته ومهاراته التي يعتقد أنها مكبوتة وغير مقدرة في موقعه الحالي. وهذا يذكرنا بالمثل القائل: حديقة الجيران أجمل دائما وأكثر خضرة. فالمهن الأخرى دائما تبدو جذابة.
ولعل أحد الأوهام الشائعة لدينا ذلك الناتج عن استخدامنا لتعبير مغلوط، أعني بذلك " العمل الحر". فكثيرا ما يسعى الموظف سواء كان حكوميا أو في شركة، الى ترك وظيفته لدخول مجال " العمل الحر". كأن يؤسس مصلحة تجارية أو مهنية مستقلة الخ. ليكتشف عندئذ أن العمل الحر الحقيقي هو الوظيفة، حيث يحظى باجازة سنوية وعطل رسمية ونهاية الاسبوع واجازات مرضية.. وحيث يمكنه أن يمضي ساعات العمل السبع اليومية في الثرثرة على الهاتف اضافة الى ميزة التأمين الصحي والتقاعد. بينما اذا فتحت متجرا أوة بقالة خاصة بك مثلا، ستضطر للعمل 16 ساعة في اليوم وفي كل يوم. ولن يكون لك الحق في أن تمرض وتغلق مصلحتك ولو ليوم واحد..
في كل عام يهجر مئة الف شخص فرنسي الحياة في المدن الكبيرة ليستقروا في الأرياف. انها ظاهرة جديدة وفريدة من نوعها. فقد اعتدنا في مختلف دول العالم على الهجرة الكثيفة المتواصلة من الريف الى المدن، حيث فرص العمل أكثر وأضواء الليل البراقة تعد بحياة ترفيه ومتعة يخلو منها الريف.
ولا نعني بهذه الهجرة الجديدة مجرد ترك مراكز المدن للعيش في ضواحيها، مع استمرار موقع العمل داخل المدينة والتنقل اليومي بين المسكن والمكتب.
بل ان ما يحصل حاليا في فرنسا يتجاوز ذلك الى مغادرة المدن ومحيطها وضواحيها، والانتقال للعيش في قلب الريف والعمل فيه أيضا. مما يشجعهم على هذه الهجرة كون أسعار الأراضي في الر يف أقل كثيرا منها في المدن ( كما هو الحال لدينا).
وقد أجرت مجلة " هذا يهمني" استبيانا موجها لقرائها في هذا الموضوع، فأظهر 43% منهم رغبتهم في تغيير حياتهم، سواء ذلك بالمهنة أم بمكان السكن أو أسلوب الحياة. وقد غير 55% من الفرنسيين بالفعل مهنتهم. ومن بين هؤلاء تجد أن 71% منهم راضون عن مهنتهم الجديدة.

ولنستعرض الآن بعض الأفكار الواردة في المجلة الفرنسية وبعض الامكانيات المحتملة لدينا:

تغيير المهنة

مع التطور المتسارع والمذهل في حياتنا المعاصرة، تندثر مهن وتختفي وتظهر دائما مهن جديدة واعدة ومريحة. ولحسن الحظ أن تشريعاتنا تتيح ظهور مهن جديدة يحتاجها المجتمع مغ تغير الحياة، ومن ذلك مئات أو ربما آلاف متاجر الهواتف الخلوية التي ظهرت خلال السنوات العشرة الأخيرة، وبالمثل فيما يتعلق بمؤسسات بيع قوارير مياه الشرب. ومهنة بيع الماء مهنة قديمة، كانت رائجة قبل انشاء شبكات توزيع الماء في مدننا – ونذكر هنا المثل القائل: كمن يبيع الماء في حارة السقايين. وكنا نتصور أن بيع الماء مهنة بائدة عفى عليها الزمن حتى حصل تلوث شبكة الماء لدينا عام 1998 فازدهرت مهنة فلترة الماء وبيعه للناس بمئة ضعف كلفته. فهي اذن مهنة مربحة للغاية وهذا يفسر الانتشار المذهل لمحلات فلترة الماء.
وليست حرية ممارسة مهنة أو حرف جديدة، أو ترخيصها بهذه السهولة في كافة الدول أو في مختلف العصور. وأشهر مثال على ذلك منع الدولة العثمانية لانشاء المطابع أو حتى حيازة كتب مطبوعة في كافة أرجاء الامبراطورية وذلك طوال نحو أربعة قرون من الزمان، حتى لا تنافس الطباعة آلاف الخطاطين المقيمين في اسطنبول. وكانت النتيجة الكارثية لهذا المنع تخلف الدولة العثمانية وشعوبها المريع في الوقت الذي ساهمت الطباعة في انتشار العلم في أوربا وغيرها وتحقيقها للنهضة العلمية والصناعية التي جعلتها تتفوق علينا تفوقا هائلا.
وتتصف المهنة التي تقترحها المجلة الفرنسية بأنها تتطلب تدريبا أو دراسة لأقل من سنة وهي مهنة تقليدية أو مبتكرة لم تنتشر بعد. رغم تنامي الحاجة اليها. كما أنها تقدم مع كل مهنة العنوان الالكتروني لجهات توفير التدريب وأخرى تدعم التدريب أو تمولـــه في كل مجال. علمـــا بــــأن التعليم الجامعـــــي ( والمدرسي طبعا) في فرنسا مجاني للطالب الفرنسي والأجنبي على السواء ! اضافة الى السكن الجامعي المخفض الكلفة والوجبات شبه المجانية.

العودة الى الريف

أما فيما يتعلق بالعيش في الريف فالمجلة تقترح مهنا أو أنشطة مناسبة مثل زراعة اللفندر لصناعة العطور والأعشاب الطبية. أو تربية الحلزون أو الفطر أو النحل أو الدجاج والدواجن الأخرى أو الضفادع التي تمثل طبقا شهيا لديهم.
وبالطبع، فان بامكان أصحاب مختلف المهن أن يمارسوا مهنتهم في الأرياف، رغم أن الدخل الاجمالي قد يكون أقل مما هو في المدينة.
أما العمل في خارج فرنسا، فان المجلة تقدم عناوين جهات توفر فرصا مثل تدريس اللغة الفرنسية في الخارج، أو صيد اللؤلؤ في المحيط الهادي أو القيام برحلة حول العالم بأقل التكاليف.
وفي مجال الحياة البيئية نجد أفكارا طريفة، مثل شراء قطعة من غابات الأمازون من السكان الأصليين. وتباع القطعة التي مساحتها دنمان بسعر رمزي قدره 40 يورو ( نحو 40 دينارا) وتتاح لك متابعة هذه القطعة عن طريق الانترنت (غوغل ايرث). والهدف من هذا المشروع هو منع استيلاء الشركات الكبرى على هذه الغابات وحرقها أو قطعها. وتشرف على المشروع مؤسسة تدعى Cool Earth .
ومن الأنشطة الأخرى المساهمة في تنظيف الشواطئ ضمن مؤسسة لها فروع في مختلف المدن الشاطئية.

أما العمل الاجتماعي والتعاوني : فيتضمن التطوع في مهام تستغرق منك ساعات أو بضعة أيام في الاسبوع مثل رعاية العجزة في منازلهم أو التراسل مع سجين أو " أبوة طفل يتيم" أو مريض في حيك أو اعداد وجبات طعام للمحتاجين والمساهمة في توزيعها عليهم.
ومن ذلك أيضا ممارسة المقايضة ، عن طريق مؤسسات لها مواقع على الانترنت. وتشمل المقايضة تبادل السلع والخدمات دون استخدام النقود. كما يمكنك التبرع بكل ما لا تحتاجه من ملابس أو أثاث لمنظمات خيرية. أو الاشتراك في جمعيات عمل اجتماعي أو علمي مثل حماية المستهلك أو حماية البيئة والشرطة البيئية أو حقوق الانسان.

أية أفكار خاصة بنا ؟

جرت العادة لدينا على " تغيير الجو " بمعنى المشاركة في رحلة منظمة الى بلد مجاور غالبا ولمدة 4 أيام أو أكثر قليلا. وهي غالبا رحلة معاناة تحتاج بعدها الى فترة نقاهة واستجمام واستعادة لقواك. ان ما نفتقده هنا هو تغيير الحياة، أي التغيير الدائم أو المتواصل لبضع سنوات على الأقل وليس مجرد السفر المرهق لبضعة أيام. فما امكانية تغيير الحياة لدينا؟
نتفق على أن المعيشة في مدننا، وفي العاصمة بالذات، لم تعد تطاق.. ولا يوجد مؤشر على انفراج قريب، بل أن الأمور تتزايد سوءا من حيث زحمة السير والتلوث والضجيج والغلاء وتوتر أعصاب الجميع فهل يكون الانتقال للريف هو الحل؟ وهل لدينا ريف يستحق هذه التسمية؟ وما هي فرص العمل المتوفرة في ريفنا؟
وهل يحسن بك أن تغير مهنتك؟ ومن سيوجهك ويساعدك اذا أقدمت على هذه الخطوة المصيرية. ولعل احدى النقاط المضيئة هنا ما تقوم به الشركة الوطنية للتشغيل والتدريب اذ تخرج الشباب في مهن البناء المختلفة، أما العمل الاجتماعي فهو متاح، أو يفترض فيه ذلك، من خلال عدة جمعيات ومراكز وأندية. لكن هنا أيضا نكتشف أن العديد من هذه المؤسسات، وخاصة أندية الخريجين أو الأندية النقابية أو الجمعيات العائلية، تكتفي بنشاط أو اثنين في العام رغم امتلاكها مقرات لا تفتح أبوابها الا عند اجتماع الهيئة العامة السنوي. وهذا يمثل مجالا للمارسة نشاط مثمر ومفيد، وهو أن تتولى تفعيل ناد أو جمعية تربطك بها علاقة، أو تقع ضمن حيك أو مجال اهتمامك.
كما يمكنك أن تشارك انت وأطفالك في احدى الجمعيات العلمية النشطة وأبرزها جمعية الفلك الأردنية. أو أن تنظم لجنة مراقبة بيئية في حارتك أو حيك، لمتابعة النظافة العامة ولضبط هدر الماء في الشوارع.. فاذا علمت أن كل حارس عمارة يهدر نحو (500) متر مكعب من الماء سنويا، وباعتبار أن عدد الحراس هو نحو 40 ألفا، فهذا يعني اهدار نحو 20 مليون متر مكعب ماء سنويا على يد حراس العمارات.
وهذا عدا عن كمية مماثلة أو أكثر تهدرها الخادمات الوافدات وعلى أية حال، اترك المجال لخيالك ليحّلق ويبحث عن فرص للتغيير تجد فيها نفسك وتستثمر فيها قدراتك بأقصى وأفضل مستوى، وتمارس حياة صحية جسميا وعقليا عن طريق ممارسة الرياضة أو العاب التفكير والشطرنج. فتغيير الحياة لا يعني فقط تغيير المهنة أو مكان السكن وانما أيضا اسلوب حياتك ومستوى نشاطك ومدى محافظتك على صحتك وصحة ابنائك وتوفير أفضل الظروف لهم للدراسة واللعب والنمو السليم.

Ca m’ interesse Sep 2009

54 - 65

السبت، 15 أكتوبر 2011

العودة الى الحياة البطيئة

حسام جميل مدانات

إنها أحدث صرعة في فلسفة الحياة وأسلوب العيش. إنها الحياة البطيئة والرتيبة، بمختلف جوانبها. ومن ذلك طائفة تبنت طريقة الطعام البطيء Slow Food وتضم نحو 000 80 ثمانين ألف عضو في مختلف أنحاء العالم، وامتد نمط البطء ليشمل عدة مجالات أخرى كالتربية والسياحة والعمل.

لكن هذا التوجه يبدو متعارضا مع أسلوب حياتنا المعاصرة التي تتصف بالسرعة في كل شيء. نأكل على عجل، مما ساعد على انتشار مطاعم الوجبات السريعة. ونسافر وننتقل بسرعة، وإذا علقنا في زحام السير نتوتر ونغضب. وأصبحنا نشتري الملابس الجاهزة، فلا وقت لدينا لزيارة الخياط لتفصيل الملابس وقياسها عدة مرات وعمل البروفات. ولم نعد مستعدين للاستماع لأغاني طويلة مثل أغاني أم كلثوم، فالأغنية اليوم سواء كانت عربية أو أجنبية لا تتجاوز بضع دقائق.

ورغم هذه السرعة في ممارسة كل شيء، فإننا لا نملك الوقت، ونحن نلهث من الاجهاد والتعب، ونسعى لنحصل على كل شيء، ولنكسب نقودا أكثر لننفقها بسرعة أكبر.

أجرت مجلة " هذا يهمني" الفرنسية لقاء مع هارتمت روزا، الاستاذ في جامعة يينا الالمانية ومؤلف كتاب " التسارع" وهو نقد اجتماعي لزمننا، وهو أحد 12 خبيرا اشتركوا في تأليف كتاب عش أفضل اعتبارا من الغد. والكتابان صدرا بالفرنسية مؤخرا. وفيما يلي مقتطفات من هذا الحوار.

- إنك تعرض لنا مفارقة، وضعا نقائضيا. كلما توفر لنا وقت أكثر بفضل التطور التقاني، كلما قل الوقت لدينا.

- روزا: مع تقدم وسائل المواصلات وتسارعها وزيادة عددها ليصبح لكل عائلة، بل لكل فرد، في المجتمعات الحديثة سيارته الخاصة، ومع توسع شبكات الطرق والسكك الحديدية وخطوط الطيران، صغر العالم وتقلص. وتبدو كرتنا الأرضية لنا اليوم أصغر بستين مرة مما كانت عليه قبل ثورة المواصلات. لكن الطائرة مثلا لم تقلل فعلا زمن السفر. لأن الوقت الذي كسبناه بفضل سرعتها خسرناه في ميلنا للاكثار من الرحلات وفي زيادة مسافات السفر. فقديما كان أغلبية الناس لا يغادرون قريتهم أو منطقتهم وإذا قام أحدهم برحلة طويلة فقد تكون رحلة العمر. وعلى غرار ذلك يمكن القول أن توفر الانترنت والبريد الالكتروني، أو البريل، رغم أنه مكننا من كتابة الرسائل وارسالها بسرعة، دون الحاجة لإهدار الوقت في الذهاب للبريد، إلا أن ذلك لم يخفض الوقت الذي نمضيه في كتابة الرسائل. لأننا أصبحنا نوجه عشرة اضعاف عدد الرسائل التي كنا نرسلها سابقا، ونتلقى عددا كبيرا من الرسائل الإلكترونية، ومعظمها متطفّلة. أي أننا أصبحنا نحتاج وقتا أكثر للمراسلة . كما أننا نتعرض لطوفان من المعلومات عبر مختلف وسائل الاعلام. وهي معلومات لا تهمنا غالبا لكنها تستهلك وقتنا. (يتذكر بعضنا الصحف الأردنية في الستينات : الجهاد والدفاع وفلسطين، عندما كانت 4 صفحات، وقارنها مع صحف اليوم التي يناهز حجمها 100 صفحة. ونتذكر عندما وجدت قناتان تلفازيتان أردنيتان تبثان بضع ساعات في اليوم برامج ومواد منتقاة، مقارنة مع آلاف القنوات التي تبث أي شيء وكل شيء على مدار الساعة حاليا.)

وهكذا، رغم أن ساعات العمل الاسبوعية الاجمالية قد تقلصت، في أوربا، بنحو ست ساعات، إلا أنها ليست فعلا ساعات فراغ يمكن استغلالها في الاسترخاء والاستمتاع.

- إنك تقول أيضا أننا نتعرض لتسارعات أخرى، مثل التغير الاجتماعي وتسارع وتيرة الحياة.

- روزا: معظم الناس اليوم لا يبقون في وظيفة أو مؤسسة واحدة طول عمرهم، بعكس ما كان الحال عليه في السابق. بل حتى أنه لا يبقى مع شريك عمره . فحالات الطلاق تتزايد والحياة العائلية أصبحت هشة، وضعفت علاقة الآباء بالأبناء، وبالأهل والأقارب. وزادت حاجاتنا ورغباتنا وأنشطتنا على حساب ساعات النوم والوقت المكرس للوجبات وللاسترخاء. أصبحنا نعمل كل شيء بسرعة، حتى رحلاتنا التي يفترض بها أن تكون للنقاهة والاستجمام، أصبحت قصيرة سريعة رغم بعد المسافة أحيانا، فتجد البعض مثلا يقوم برحلة الى تايلند خلال 4 أيام، يمضي نصفها في الطائرة والمطارات!

- ما عواقب هذا التسارع؟

- روزا: الشعور بالاحباط. رغم جهودنا فإننا نشعر أننا لا ننجز أمورنا كما يجب، أو أننا نهمل بعض الواجبات الهامة. يتعرض الموظفون لضغوط كبيرة تجعل بعضهم ينهارون. قطعنا علاقاتنا بالماضي وبالقيم القديمة، لكن هذا لم يمنحنا الحرية. ورغم الرخاء الظاهري فإن المستقبل يقلقنا، لأن التغيرات الاقتصادية والمالية الكبيرة تجعلنا عاجزين عن توقع ما سيحصل غدا.

- هل يمكن الافلات من هذه الدوامة؟

- روزا: بصعوبة، بل إن الوضع يزداد تعقيدا. كان يوم الأحد عطلة للجميع (في فرنسا)، لكن عندما أصبحت المتاجر والمولات تعمل في هذا اليوم، فإنها حرمتنا من عطلتنا، أصبحنا نذهب للتسوق يوم الأحد لنشتري سلعا لا نحتاجها. كما أن مصيدة الهاتف الخلوي قد اقتنصت الجميع، لتستهلك ما تبقى من وقتهم.
وكرد فعل على هذا الوضع ظهرت صرعات مثل الطعام البطيء، لكني لا أعتقد بنجاعة هذه الظاهرة. فهؤلاء الأشخاص يخصصون يوما في الأسبوع لطهي الطعام وتناوله كما في ايام زمان. أصبحت الممارسة التقليدية أمرا استثنائيا. وهذا لا يغير شيئا في وتيرة الحياة اليومية.

ماذا نفعل ؟
- روزا: ليست هذه مشكلة شخصية بقدر ما هي مجتمعية وسياسية، إن هذا التسارع يشكل جزءا لا يتجزأ من جوهر الحداثة والرأسمالية، والتي تتطلب دائما نموا متزايدا، انتاجا أكثر واستهلاكا أكثر. وإذا أردنا حقا أن نبطيء ونتمهل، فإن علينا أن نتخلى عن هذا النمط وأن نتخيل ونبتكر أسلوبا آخر للعيش.

Ca M’interesse Mai 2011-08-12