هل تعرف الذباب الأزرق؟ لا شك أنك شاهدت بعضه يوماً ما و هو يحط على قطعة لحم مكشوفة أو على جثة حيوان ملقاة على قارعة الطريق. و قد لا يشكل الذباب الأزرق لدينا مصدر خطر أو آفة مستشرية تستدعي التعبئة العامة ضده، لكن مناطق أخرى في العالم تعاني منه معاناة كبيرة دفعتها الى إعلان الحرب عليه. ومن هذه المناطق أمريكا اللاتينية. وقد أنشأت المكسيك مختبرا أو مصنعا مهمته تربية الذباب الأزرق ثم تعقيمه أي جعله عقيما عاجزا عن التناسل. ومن ثم يطلق هذا الذباب في مناطق انتشاره الاعتيادي، حيث تتزاوج الأفراد العقيمة مع أفراد طبيعية سليمة، لكن النتيجة طبعا هي عدم إنتاج بيوض ملقحة وبالتالي تخفيض أعداد الذباب بطرق آمنة بدون استخدام مبيدات كيميائية سامة وضارة بالبيئة.
هناك تعبير نسمعه أحيانا في الأفلام المصرية، يقول ما معناه " سأجعل الذباب الأزرق لا يعرف مطرحك" ويقول هذه العبارة شخص يهدد آخر بأنه سيقتله ويخفي آثاره لدرجة تجعل الذباب الأزرق عاجزا عن العثور عليه. وهذا مؤشر على القدرة الهائلة لهذا الذباب على العثور على أي جثة لحيوان أو إنسان، لتضع الأنثى بيضها عليها.
الذباب الأزرق أو الأخضر كبير الحجم مقارنة مع الذباب المنزلي. إذ يكاد طوله يصل إلى سنتمتر واحد. وله عيون حمراء تثير القلق. تضع الأنثى بيضها في أي جرح أصيب به حيوان أو إنسان، أو في الفتحات الطبيعية في الحيوان: الأنف، الأذنين، العينين، وحتى صرة الطفل الوليد. ثم يفقس البيض عن يرقات مخيفة. فهي تخترق اللحم فورا وتهاجم الأنسجة المجاورة وتلتهمها بنهم وشراهة كبيرين فيزداد وزنها 1500 مرة قبل أن تتحول إلى الطور التالي في تطورها. ولعل هذه الضراوة هي سبب اسمها العلميCochliomyia hominivorax أي ملتهمة الإنسان.
تسبب هذه الذبابة لأمريكا اللاتينية خسائر تبلغ 3.5 مليار دولار سنويا، ناتجة عن إصابات حيوانات المزارع بها.ولهذا السبب أعلنت أمريكا الحرب على الذبابة الزرقاء. وشكلت لجنة أمريكية مكسيكية للقضاء على هذه الذبابة حيث أنشأت مركزا لعملياتها الحربية ضد الذبابة في ولاية شبا المكسيكية.
ينتج هذا المركز بين 150 و 450 مليون ذبابة أسبوعيا، حسب الحاجة. وتجعل هذه الذبابة عقيمة جنسيا عن طريق تعريضها لأشعة غاما. ومن ثم يطلق سراحها. وعندما تتزاوج الذكور العقيمة مع إناث عادية فان بيوض الإناث لا تخصب ولا تعطي يرقات. والواقع أن الولايات المتحدة كانت قد استخدمت أسلوب المقاومة الحيوية هذا منذ عشرات السنين، وتمكنت من القضاء على الذبابة الزرقاء في أراضيها منذ عام 1966. لكن انتشار هذه الذبابة في الدول المجاورة يجعل الولايات المتحدة معرضة لشرورها في أية لحظة. ولهذا السبب فإنها قد سعت إلى إنشاء هذا المركز في المكسيك المحاذية لها من جهة الجنوب.
وسائل حماية مكثفة
تبلغ مساحة مركز أو مصنع الذباب 80 هكتارا أي 800 دونم. وقد أنشيء عام 1976 ، وتحيط به حراسة عسكرية صارمة. وإذا أردت دخول المصنع فان عليك أن تخلع جميع ملابسك ثم تتعرض لتيار هوائي قبل أن تعطى ملابس خاصة ويسمح لك بالدخول. والغرض من هذه الإجراءات الصارمة هو ضمان عدم تسرب أية حشرات أخرى إلى داخل المصنع. أما الذباب الأزرق نفسه فهو لا يغادر المصنع إلا عن طريق نفق يتعرض خلاله لأشعة غاما من أجل تعقيمه. وما أن تدخل المصنع حتى تملأ أنفك رائحة الأمونيا التي تفرزها يرقات الذباب أثناء التهامها لطعامها من اللحم. وتكون الحرارة نحو 40° س والرطوبة 80%، من أجل جعل اليرقات تعيش في جو شبيه بما تجده عادة في جسم الكائن الحي الذي تتغذى عليه.
وبالطبع فان الذباب الذي يربى في المصنع هو ذباب غير معقم. إذ القصد منه هو الحصول على ملايين اليرقات التي تنمو وتتحول إلى ذباب ثم يعقم الجزء الأكبر من هذا الذباب و يطلق في الجو، ويستخدم الجزء الآخر للحصول على يرقات جديدة.
يسمح للذباب بالتزاوج طوال ستة أيام. ثم تحفز الأنثى على وضع البيض الملقح عن طريق تعريضها لرائحة تشبه رائحة الجراح. تصدر هذه الرائحة عن ورق مشبع بعجينة من دم العجول والبيض والحليب. يوضع في كل قفص نحو 4 ملايين بيضة. وهذه تتحول بدورها الى يرقات شرهة تنمو سريعا قبل أن تتحول إلى عذراء فحشرة كاملة. وعندما تعرض الحشرات لأشعة غاما بجرعات محسوبة بدقة، فان حامضها النووي داخل الخلايا الجنسية، يتأثر ويتشوه لتصبح عاجزة عن التناسل.. ثم تتعرض هذه الذبابات لفحوص " الجودة" للتأكد من قدرتها على الطيران والتزاوج وتناول الغذاء. وقبل إطلاق الذباب يرش بمسحوق ملون ومشع حتى يمكن متابعة أفراده في الطبيعة. وينتج المصنع يوميا 60 مليون ذبابة معقمة، وينثر هذا الذباب في الدول المجاورة بواسطة الطائرات عادة.
يمكن لهذا الوباء أن ينتقل عبر العالم، كما حصل عام 1990 عندما ظهر الذباب الأزرق في ليبيا، حيث وصلها مع عجول مصابة به وقادمة من أمريكا الجنوبية. وفي ذلك الحين أنفقت منظمة الغذاء والزراعة الدولية (فاو) 75 مليون دولار في حملة لإطلاق مليار ذبابة معقمة في ليبيا من أجل تفادي انتشار هذه الآفة في إفريقيا.
Ca m'interesse
