العرب اليوم/ 29/5/2012
أ.د. محمد باسل الطائي
مع بداية القرن العشرين كان الفلكيون يتصورون أن الكون يتألف من جزيرة نجومية كبيرة جداً تعرف باسم درب التبانة أو الطريق اللبني. يظهر جزء منها للناظر إلى السماء في ليلة حالكة الظلام كتجمّع كبير من النجوم، تتخلله سُحب ضبابية، ويمتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. لكن الفلكيين تمكنوا مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين من تشخيص سحب سديمية، ظنوها أول الأمر جزءً من المجرة، لكنهم ما لبثوا أن اكتشفوا أنها ليست كذلك، بل تقع خارجها. وعندما وجدوا أن هذه السحب تحتوي نجوما كثيرة أدركوا أنها يمكن أن تكون مجرات أخرى تقع خارج مجرتنا. وكانت هذه المجرات حتى ذلك الحين تسمى السدم الحلزونية Spiral Nebulae . وكان العرب يسمونها (لطخات سحابية). فقد أشار اليها عبدالرحمن الصوفي في كتابه "صور الكواكب الثمانية والأربعين" كما أشار اليها أبو الريحان البيروني في كتاب "القانون المسعودي" وكتاب "التفهيم لأوائل صناعة التنجيم".
في عشرينيات القرن الماضي رصد الأمريكيّان لويل سلفر وإدوين هَبِل هذه المجرات، التي لم يكن عدد ما نراه منها يتجاوز عشرين مجرة؛ سميت لاحقاً الزمرة المحلية. ومن خلال تحليل أطياف الضوء الواصلة الينا من هذه المجرات لاحظا إنحيازاً في خطوط العناصر في هذه الأطياف مقارنة بالخطوط الطيفية للعناصر نفسها التي على الأرض، ما يدل على حركة هذه المجرات، بموجب ظاهرة دوبلر. وقد لوحظ أن لمعظم المجرات انحيازا طيفيا نحو الجهة الحمراء من الطيف، ما دل على أنها تبتعد عنا. وعند حساب الانحياز الطيفي ومقارنته مع البعد، اكتشف هبل قانوناً يقول أن سرعة ابتعاد المجرة عنا تتناسب طردياً مع بعدها عنا.
صورة تقريبية لحالة توسع الكون مع الزمن
وهكذا بدا الكون وكأنه سطح بالون ثلاثي الأبعاد في فضاء رباعي الأبعاد ينتفخ باستمرار. وبمزيد من الرصد تأكد قانون هبل هذا، ما دعى الفلكيين إلى الاعتقاد بأن هذه المجرات ربما كانت مجتمعة على بعضها في وقت ما، ثم انبثقت متباعدة عن بعضها. وهذا ما سُمّي توسّع الكون.
وهذا ما دعا القسّ الهولندي لاميتر Lameter في ثلاثينيات القرن الماضي أن يضع نموذجاً كونياً، جعل الكون فيه ينطلق مما سماه البيضة الكونية، متوسعاً على نحو سريع حتى وصل إلى ما هو عليه الآن. لكن لاميتر لم يقدم الكثير من التفاصيل بما يخص المحتوى المادي للكون في نموذجه هذا، ولا عن كيفية انبثاق المادة والطاقة الأولى في الكون.
بقيت مسألة وجود بداية أو عدم وجود بداية لهذا الكون في حيز الجدل والنقاش حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضي؛ إذ سادت لفترة ما نظرية الفلكي فرد هويل وجماعته، التي تقول أن الكون يمثل حالة أبدية مستقرة ولا بداية له. لكن الفيزيائي جورج غامو وجد أمراً آخر.
Articles in Science and Technology translated from English and French, and published in the Jordanian newspaper AL RAI and several Jordanian and Arabic magazines
إظهار الرسائل ذات التسميات فلك. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات فلك. إظهار كافة الرسائل
الخميس، 31 مايو 2012
السبت، 11 فبراير 2012
هل المادة السوداء موجودة فعلاً؟
في عام 1932 افترض عالم الفيزياء الفلكية الأمريكي فرتز زويكي أن الكون يحتوي على مادة خفية لا يمكننا رؤيتها وأطلق عليها اسم المادة السوداء (أو القاتمة أو المعتمة).
أما الذي دفع زويكي إلى وضع هذا الافتراض فهو أنه لاحظ أن بعض المجرات الهامشية (المحيطية) تتحرك بسرعة كبيرة جداً وأعلى مما هو متوقع لها. وتوجب وجود جاذبية كبيرة، أكبر من تلك التي تتوقعها قوانين نيوتن، حتى تبقى هذه المجرات في مواقعها. وهذه الجاذبية المفرطة يجب أن يكون مصدرها كتل ومواد أخرى غير تلك التي تكتشفها مناظير الفلكيين. وهكذا حدس زويكي وافترض وجود مادة خفية سوداء تكون هي سبب هذه الجاذبية الزائدة.
منذ ذلك الحين (1932) أثارت المادة السوداء خيال العلماء وأشعلت حماسهم للسعي لمعرفة كنهها. فوضعت فيها فرضيات عدة وكتبت عنها أبحاث وأبحاث. واتفق الباحثون على أن هذه المادة تشكل ربع مادة الكون.
لكن المشكلة الرئيسية والكبرى المتعلقة بالمادة السوداء هي أن جميع أجهزة الرصد الفلكي بمختلف أنواعها قد عجزت عن ملاحظة هذه المادة أو رصدها أو كشف وجودها أو اعطاء دليل ملموس على أنها حقيقة واقعة. فهل يكمن تفسير هذا اللغز في أن هذه المادة غير موجودة أصلاً، وأنها مجرد وهم وخيال؟
في كانون ثاني 2008 حانت فرصة لحل هذه المعضلة. توجهت الأنظار نحو الساتل (القمر الصناعي) الأوربي المسمى "انتغرال" والذي وجه مراصده نحو مركز مجرتنا، درب التبانة، بهدف الحصول على اثبات لوجود المادة السوداء.
فقد ساد اعتقاد بأن هذه المادة هي مصدر اشعاعات غريبة صادرة عن مركز المجرة وتم رصدها في سبعينيات القرن الماضي. وقد وضعت فرضية تنص على أن غيمة من جزيئات خفيفة من المادة السوداء في مركز المجرة، تتحول شيئاً فشيئاً الى المادة وضد المادة. وبالذات الكترونات وبوزترونات (المادة التوأم للالكترونات ، وذات الشحنة الموجبة مقارنة مع شحنة الالكترونات السالبة) ثم تندمج المادة مع ضدها (كل الكترون مع بوزترون) لتتحولا الى طاقة على شكل أشعة غاما، وهي الأشعة التي رصدها الفلكيون في السبعينات.
لكن الساتل الأوروبي قدم تفسيراً آخر لهذه الأشعة: إنها تصدر عن بقايا أو جثث نجوم ميتة، وبالذات نجوم ثنائية .. حيث يبتلع نجم هرم نجماً آخر مجاوراً له.ويطلق جسيمات المادة وضدها والتي بدورها تندمج وتتحول إلى أشعة غاما.
فلا حاجة إذن لافتراض المادة السوداء من أجل تفسير هذه الأشعة الصادرة عن مركز المجرة.
في عام 1983 وضعت نظرية أطلق عليها اسم موند Mond وهي أوائل الكلمات MOdified Newtonian Dynamics أي ديناميكا نيوتن المعدلة، وكان هدف التعديل البسيط الذي أدخل على معادلات نيوتن (التي وضعها اسحق نيوتن عام 1687) هو حل احدى المشكلات الأساسية في الفلك. وهي سرعة الدوران الأكبر مما هو متوقع (حسب قوانين نيوتن) للنجوم والمجرات. وإذا قبلنا بهذه التعديلات فلا داعي لافتراض وجود المادة السوداء.
وهذا يعني أن علم الفلك يقف على عتبة مرحلة حاسمة من تاريخه، فإذا ثبتت صحة نظرية موند، فإنه تلزم مراجعة شاملة لكل ما كتب في علم الفلك حول المادة السوداء من أجل تفسير الظواهر الفلكية المرتبطة بها تفسيراً مختلفاً.
Science et Vie 7/2008
صور أعلى الصفحة 76.
الصورى اليمنى: رصد فلكي لاندماج مجرتين.
الصور الأربع الأخرى نموذج ناتج عن نظرية موند للرصد نفسه ويلاحظ أن الصورة الرابعة مماثلة للرصد الفعلي. وهذا دليل على صحة نظرية موند.
أما الذي دفع زويكي إلى وضع هذا الافتراض فهو أنه لاحظ أن بعض المجرات الهامشية (المحيطية) تتحرك بسرعة كبيرة جداً وأعلى مما هو متوقع لها. وتوجب وجود جاذبية كبيرة، أكبر من تلك التي تتوقعها قوانين نيوتن، حتى تبقى هذه المجرات في مواقعها. وهذه الجاذبية المفرطة يجب أن يكون مصدرها كتل ومواد أخرى غير تلك التي تكتشفها مناظير الفلكيين. وهكذا حدس زويكي وافترض وجود مادة خفية سوداء تكون هي سبب هذه الجاذبية الزائدة.
منذ ذلك الحين (1932) أثارت المادة السوداء خيال العلماء وأشعلت حماسهم للسعي لمعرفة كنهها. فوضعت فيها فرضيات عدة وكتبت عنها أبحاث وأبحاث. واتفق الباحثون على أن هذه المادة تشكل ربع مادة الكون.
لكن المشكلة الرئيسية والكبرى المتعلقة بالمادة السوداء هي أن جميع أجهزة الرصد الفلكي بمختلف أنواعها قد عجزت عن ملاحظة هذه المادة أو رصدها أو كشف وجودها أو اعطاء دليل ملموس على أنها حقيقة واقعة. فهل يكمن تفسير هذا اللغز في أن هذه المادة غير موجودة أصلاً، وأنها مجرد وهم وخيال؟
في كانون ثاني 2008 حانت فرصة لحل هذه المعضلة. توجهت الأنظار نحو الساتل (القمر الصناعي) الأوربي المسمى "انتغرال" والذي وجه مراصده نحو مركز مجرتنا، درب التبانة، بهدف الحصول على اثبات لوجود المادة السوداء.
فقد ساد اعتقاد بأن هذه المادة هي مصدر اشعاعات غريبة صادرة عن مركز المجرة وتم رصدها في سبعينيات القرن الماضي. وقد وضعت فرضية تنص على أن غيمة من جزيئات خفيفة من المادة السوداء في مركز المجرة، تتحول شيئاً فشيئاً الى المادة وضد المادة. وبالذات الكترونات وبوزترونات (المادة التوأم للالكترونات ، وذات الشحنة الموجبة مقارنة مع شحنة الالكترونات السالبة) ثم تندمج المادة مع ضدها (كل الكترون مع بوزترون) لتتحولا الى طاقة على شكل أشعة غاما، وهي الأشعة التي رصدها الفلكيون في السبعينات.
لكن الساتل الأوروبي قدم تفسيراً آخر لهذه الأشعة: إنها تصدر عن بقايا أو جثث نجوم ميتة، وبالذات نجوم ثنائية .. حيث يبتلع نجم هرم نجماً آخر مجاوراً له.ويطلق جسيمات المادة وضدها والتي بدورها تندمج وتتحول إلى أشعة غاما.
فلا حاجة إذن لافتراض المادة السوداء من أجل تفسير هذه الأشعة الصادرة عن مركز المجرة.
في عام 1983 وضعت نظرية أطلق عليها اسم موند Mond وهي أوائل الكلمات MOdified Newtonian Dynamics أي ديناميكا نيوتن المعدلة، وكان هدف التعديل البسيط الذي أدخل على معادلات نيوتن (التي وضعها اسحق نيوتن عام 1687) هو حل احدى المشكلات الأساسية في الفلك. وهي سرعة الدوران الأكبر مما هو متوقع (حسب قوانين نيوتن) للنجوم والمجرات. وإذا قبلنا بهذه التعديلات فلا داعي لافتراض وجود المادة السوداء.
وهذا يعني أن علم الفلك يقف على عتبة مرحلة حاسمة من تاريخه، فإذا ثبتت صحة نظرية موند، فإنه تلزم مراجعة شاملة لكل ما كتب في علم الفلك حول المادة السوداء من أجل تفسير الظواهر الفلكية المرتبطة بها تفسيراً مختلفاً.
Science et Vie 7/2008
صور أعلى الصفحة 76.
الصورى اليمنى: رصد فلكي لاندماج مجرتين.
الصور الأربع الأخرى نموذج ناتج عن نظرية موند للرصد نفسه ويلاحظ أن الصورة الرابعة مماثلة للرصد الفعلي. وهذا دليل على صحة نظرية موند.
اصطدام النيازك:بنات بابتستينا المخيفات :
في محاولة لتصوير مدى تعقد الظواهر الطبيعية والارتباط العضوي الوثيق بين عناصرها ، والعشوائيـة التي تتصرف بها الأنظمـة الطبيعيـة ، قال أحد العلماء يوما : " اذا رفرفت فراشات بأجنحتها في الصين ، فان هذا قد يسبب اعصارا في المحيط الأطلسي " .
لا شك أن في هذا القول مبالغة كبيرة ، لكن المقصود منه هو الاشارة الى أنه رغم أن العالم تحكمه قوانين فيزيائية دقيقة وصارمة ، مثل قوانين نيوتن في الجاذبية ، الا أن تدخل أية عوامل عشوائية ، حتى لو كانت صغيرة التأثير ، يكفي أن يجعل توقعنا للأحداث الطبيعية شبه مستحيل.
يتضح هذا الأمر بوضوح في التنبؤات الجوية ، فرغم الامكانات التقنية الهائلة المتوفرة للراصدين الجويين ، ومنها شبكة سواتل ( أقمار صناعية ) مخصصة لهذا الغرض ، الا أن الطقس يفاجئنا أحيانا بما لم يتوقعه أحد .
وهنا قد تفاجأ، عزيزي القاريء، بقولنا أن النظام الشمسي ، رغم انتظامه المثالي ، يشبه الطقس على كوكبنا الأرضي في عشوائيته واحتمال حصول أحداث غير متوقعة ، لكن هذا صحيح فقط على مقياس زمني كبير : ملايين السنين أو حتى مئات الملايين من السنين .
فما الذي يجعل بعض الكويكبات يهجر مداره ليتجه نحو الأرض ويصطدم بها مسببا الدمار لمختلف مظاهر الحياة على كوكبنا ؟
قبل خمسة وستين مليون سنة حصل ما يشبه يوم القيامة بالنسبة للديناصورات . نيزك ضخم قدم من الفضاء وضرب الأرض ضربة زلزلتها وقلبت أوضاعها رأسا على عقب . وتسبب الغبار الناتج عن التصادم بحجب أشعة الشمس بضع سنوات، فانقرضت عدة أنواع من الحيوانات ، ومنها الديناصورات .
يقترح الأمريكي وليم بتكه في مقال له ظهر في عدد 6 أيلول 2007 من مجلة الطبيعة – نيتشر – الأمريكية ، أن اصطدام كويكبين ببعضهما قبل (160) مليون سنة كان هو المسؤول عن انقراض الديناصورات بعد ذلك التاريخ بنحو مئة مليون سنة !!
خرج بتكه بهذه الفرضية بعد أن درس مدارات الكويكبات التي تقع بين مداري المريخ والمشتري . وهي عادة تتواجد في مجموعات متقاربة ومتشابهة في صفات مداراتها وفي تركيبها الكيماوي ( يحدد العلماء هذا التركيب بدراسة طيف الضوء المنعكس عنها ). يعتقد علماء الفلك بأن هذه الكويكبات هي بنات اجرام أكبر منها تعرضت لاصطدام كويكبات بها فتفتتت الى قطع أصغر . ويعتقد بتكه بأنه قد توصل الى تقفي أصل عائلة من الكويكبات وارجاعها الى الاصطدام الأصلي الذي تولدت عنه .
تفسير غريب لانحراف الكويكبات عن مدارها !
أكبر أعضاء هذه العائلة يدعى بابتستينا ، ولنطلق عليه اسم الكويكب (ب). يبلغ قطره نحو (40) أربعين كيلومترا، وتضم العائلة أكثر من (2000) الفي كويكب أصغر من (ب) . ولنطلق عليها اسم بنات (ب) .
يسود الاعتقاد أن ضوء الشمس هو المسؤول ، على المدى الطويل ، عن خروج الكويكبات عن مدارها وبالتالي تهديدها للأرض ولغيرها من الكواكب. تسمى هذه الظاهرة تأثير يركوفسكي . مثلما تدوّم (مثل الدوامة) أو تدور الكواكب حول نفسها ، كذلك تدور الكويكبات حول نفسها ، اضافة الى دورانها حول الشمس . وكما يحدث على سطح الأرض عندما يكون أحد نصفيها مواجها للشمس فيسخن ، كذلك يحدث نفس الأمر لأي كويكب ، فالجزء المواجه للشمس يسخن . لكننا نعلم أيضا أن المواقع التي يكون فيها النهار في أوله – وقت الفجر – تكون أبرد من تلك التي يكون فيها الوقت بعد الظهر .
ويحصل نفس التباين في درجة الحرارة على سطح الكويكبات فيشع الكويكب الحرارة بمقادير متفاوتة ، فالجزء الأسخن يشع حرارة أكبر .
هذا الفرق في الاشعاع الحراري بين طرفي الكويكب الصغير يسبب انحرافه عن مداره شيئا فشيئا، وهذا يفسر تناثر بنات (ب) وتباعدها عن بعضها البعض. وعندما درس بتكه نمط توزع هذه الكويكبات وحجومها ( والتي تحدد سرعة تحركها ) ، استنتج الزمن الذي حصل فيه الاصطدام الأصلي . وقدره بما قبل مئة وستين مليون سنة .
لكن الأدلة تشير الى أن الديناصورات قد انقرضت قبل 65 مليون سنة نتيجة لاصطدام كويكب أو نيزك بالأرض . يعتقد بتكه أن احدى بنات (ب) هي التي ضربت الأرض . ويدعم فرضيته بمؤشرين : أولهما أن التركيب الكيميائي للنيزك الذي ضرب الأرض يشبه تركيب (ب) وبناته . والمؤشر الثاني هو وجود أدلة على كويكبات أو على بنات مفقودات من هذه العائلة .
ويقدر أن بعض هذه الكويكبات المفقودة قد بدأت تتجه نحو الأرض قبل نحو مئة مليون سنة . وفي النهاية وصل أحدها الى كوكبنا قبل 65 مليون سنة ، وسبب ذلك النيزك حفرة ضخمة تقع في جنوب المكسيك ، فيما يعرف بشبه جزيرة يوكتان . وقد تراكمت رسوبيات كثيرة منذ ذلك الوقت في هذه الحفرة وطمرتها .
يعتقد بتكه أيضا أن اصطدام أحد كويكبات هذه العائلة بالقمر قد أحدث الفوهة المدعوة تيكوبراهي ( سميت الفوهة بهذا الاسم تكريما لهذا الفلكي الدنمركي الذي عاش في القرن السادس عشر ). تقع هذه الفوهة قرب القطب الجنوبي للقمر ، ويبلغ قطرها 85 كم . وكانت المركبة أبولو (17) قد أحضرت عينات من صخور هذه الفوهة ، مما سمح بتحديد عمرها بمئة مليون سنة أو أكثر قليلا .
لا شك أن مشهد تلك الاصطدامات كان مهولا ورائعا . لكننا نتمنى أن لا تتكرر على سطح كرتنا الأرضية. ولو حصل اصطدام من هذا النوع فلن ترغب بالتأكيد بمشاهدته عن قرب .
The Economist
لا شك أن في هذا القول مبالغة كبيرة ، لكن المقصود منه هو الاشارة الى أنه رغم أن العالم تحكمه قوانين فيزيائية دقيقة وصارمة ، مثل قوانين نيوتن في الجاذبية ، الا أن تدخل أية عوامل عشوائية ، حتى لو كانت صغيرة التأثير ، يكفي أن يجعل توقعنا للأحداث الطبيعية شبه مستحيل.
يتضح هذا الأمر بوضوح في التنبؤات الجوية ، فرغم الامكانات التقنية الهائلة المتوفرة للراصدين الجويين ، ومنها شبكة سواتل ( أقمار صناعية ) مخصصة لهذا الغرض ، الا أن الطقس يفاجئنا أحيانا بما لم يتوقعه أحد .
وهنا قد تفاجأ، عزيزي القاريء، بقولنا أن النظام الشمسي ، رغم انتظامه المثالي ، يشبه الطقس على كوكبنا الأرضي في عشوائيته واحتمال حصول أحداث غير متوقعة ، لكن هذا صحيح فقط على مقياس زمني كبير : ملايين السنين أو حتى مئات الملايين من السنين .
فما الذي يجعل بعض الكويكبات يهجر مداره ليتجه نحو الأرض ويصطدم بها مسببا الدمار لمختلف مظاهر الحياة على كوكبنا ؟
قبل خمسة وستين مليون سنة حصل ما يشبه يوم القيامة بالنسبة للديناصورات . نيزك ضخم قدم من الفضاء وضرب الأرض ضربة زلزلتها وقلبت أوضاعها رأسا على عقب . وتسبب الغبار الناتج عن التصادم بحجب أشعة الشمس بضع سنوات، فانقرضت عدة أنواع من الحيوانات ، ومنها الديناصورات .
يقترح الأمريكي وليم بتكه في مقال له ظهر في عدد 6 أيلول 2007 من مجلة الطبيعة – نيتشر – الأمريكية ، أن اصطدام كويكبين ببعضهما قبل (160) مليون سنة كان هو المسؤول عن انقراض الديناصورات بعد ذلك التاريخ بنحو مئة مليون سنة !!
خرج بتكه بهذه الفرضية بعد أن درس مدارات الكويكبات التي تقع بين مداري المريخ والمشتري . وهي عادة تتواجد في مجموعات متقاربة ومتشابهة في صفات مداراتها وفي تركيبها الكيماوي ( يحدد العلماء هذا التركيب بدراسة طيف الضوء المنعكس عنها ). يعتقد علماء الفلك بأن هذه الكويكبات هي بنات اجرام أكبر منها تعرضت لاصطدام كويكبات بها فتفتتت الى قطع أصغر . ويعتقد بتكه بأنه قد توصل الى تقفي أصل عائلة من الكويكبات وارجاعها الى الاصطدام الأصلي الذي تولدت عنه .
تفسير غريب لانحراف الكويكبات عن مدارها !
أكبر أعضاء هذه العائلة يدعى بابتستينا ، ولنطلق عليه اسم الكويكب (ب). يبلغ قطره نحو (40) أربعين كيلومترا، وتضم العائلة أكثر من (2000) الفي كويكب أصغر من (ب) . ولنطلق عليها اسم بنات (ب) .
يسود الاعتقاد أن ضوء الشمس هو المسؤول ، على المدى الطويل ، عن خروج الكويكبات عن مدارها وبالتالي تهديدها للأرض ولغيرها من الكواكب. تسمى هذه الظاهرة تأثير يركوفسكي . مثلما تدوّم (مثل الدوامة) أو تدور الكواكب حول نفسها ، كذلك تدور الكويكبات حول نفسها ، اضافة الى دورانها حول الشمس . وكما يحدث على سطح الأرض عندما يكون أحد نصفيها مواجها للشمس فيسخن ، كذلك يحدث نفس الأمر لأي كويكب ، فالجزء المواجه للشمس يسخن . لكننا نعلم أيضا أن المواقع التي يكون فيها النهار في أوله – وقت الفجر – تكون أبرد من تلك التي يكون فيها الوقت بعد الظهر .
ويحصل نفس التباين في درجة الحرارة على سطح الكويكبات فيشع الكويكب الحرارة بمقادير متفاوتة ، فالجزء الأسخن يشع حرارة أكبر .
هذا الفرق في الاشعاع الحراري بين طرفي الكويكب الصغير يسبب انحرافه عن مداره شيئا فشيئا، وهذا يفسر تناثر بنات (ب) وتباعدها عن بعضها البعض. وعندما درس بتكه نمط توزع هذه الكويكبات وحجومها ( والتي تحدد سرعة تحركها ) ، استنتج الزمن الذي حصل فيه الاصطدام الأصلي . وقدره بما قبل مئة وستين مليون سنة .
لكن الأدلة تشير الى أن الديناصورات قد انقرضت قبل 65 مليون سنة نتيجة لاصطدام كويكب أو نيزك بالأرض . يعتقد بتكه أن احدى بنات (ب) هي التي ضربت الأرض . ويدعم فرضيته بمؤشرين : أولهما أن التركيب الكيميائي للنيزك الذي ضرب الأرض يشبه تركيب (ب) وبناته . والمؤشر الثاني هو وجود أدلة على كويكبات أو على بنات مفقودات من هذه العائلة .
ويقدر أن بعض هذه الكويكبات المفقودة قد بدأت تتجه نحو الأرض قبل نحو مئة مليون سنة . وفي النهاية وصل أحدها الى كوكبنا قبل 65 مليون سنة ، وسبب ذلك النيزك حفرة ضخمة تقع في جنوب المكسيك ، فيما يعرف بشبه جزيرة يوكتان . وقد تراكمت رسوبيات كثيرة منذ ذلك الوقت في هذه الحفرة وطمرتها .
يعتقد بتكه أيضا أن اصطدام أحد كويكبات هذه العائلة بالقمر قد أحدث الفوهة المدعوة تيكوبراهي ( سميت الفوهة بهذا الاسم تكريما لهذا الفلكي الدنمركي الذي عاش في القرن السادس عشر ). تقع هذه الفوهة قرب القطب الجنوبي للقمر ، ويبلغ قطرها 85 كم . وكانت المركبة أبولو (17) قد أحضرت عينات من صخور هذه الفوهة ، مما سمح بتحديد عمرها بمئة مليون سنة أو أكثر قليلا .
لا شك أن مشهد تلك الاصطدامات كان مهولا ورائعا . لكننا نتمنى أن لا تتكرر على سطح كرتنا الأرضية. ولو حصل اصطدام من هذا النوع فلن ترغب بالتأكيد بمشاهدته عن قرب .
The Economist
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
